' اللي من إيدو الله يزيدو' بهذه العبارة هتف الطالب محمود الذي انتظر لأكثر من ساعة سيارة تقله من شارع النصر للجامعة قبل أن يصاب بحالة هستيرية وينكفئ عائدا الى البيت وهو يردد بصوت سمعه الحشد الطلابي على تقاطع شارع النصر ـ الشيخ رضوان : ' هذه بلد واللا دفيئة تفقيس، شوية وانكاكي زي الديوك والفراخ'!.
محمود الذي يدرس الكيمياء في السنة الثانية بجامعة الأزهر أحسن حظا من الحاجة أم سالم التي أمضت الليل بطوله تئن تحت وطأة ألم عينيها بانتظار الفجر حتى تعود مستشفى العيون لتجد نفسها على قارعة الطريق، ولم تحل مشكلتها إلا عربة كارو استعانت للصعود عليها برجلين كانا يقفان الى جوارها بانتظار سيارة تقلهم الى عملهم في أحياء المدينة.
في الطريق الى ميدان فلسطين أو كما يسميه أهل غزة ساحة السيارات احتدم نقاش حاد بين ركاب السيارة التي أقلتنا حول جذور الأزمة وأسبابها، لم يختلف الطرفان بالطبع حول مسؤولية حكومة الاحتلال في أزمة البترول والمعابر وإصرارها على إغلاقها وتقنين مشتقات البترول وغيرها من مستلزمات الحياة الضرورية ولكن مصدر الاختلاف تمحور حول مسؤولية الحكومة المقالة في إدارة الأزمة.
السائق اقسم بأغلظ الإيمان أنه عبأ قنينة الغاز الذي تسير عليه سيارته بتسعين شيقلا.
لا أدري من أين جاءت عادة 'الحلفان' لأهل غزة فما أن تسأل بائعا أو تاجرا أو محدثا حتى يقسم لك على صدق ما يقول مثل باعة العسل وسط الساحة الذين يقسمون بأغلظ الأيمان بأن عسلهم ' عسل نحل' وهم يعلمون أن زوجاتهم هن من صنعته من السكروالقليل من الليمون والملونات والمنكهات!.
في منتصف شارع فهمي بك شريان غزة الرئيس الذي يفصل كراجات الركاب المنطلقين من شمال غزة الى جنوبها والعكس علت الزيطة والزمبليطة لافتتاح بسطة استعان صاحبها بأربع سماعات من العيار الثقيل لجلب الانتباه لبضاعته الكاسدة.
في سوقي الخضار الرئيسين في المدينة على جانبي الساحة وهما سوق فراس وسوق الزاوية ترى عجبا وصياما في رجب، وجوه فاغرة الأفواه من ارتفاع الأسعار، وعلامات تعجب على السحن!، وأسئلة تلهج بها الألسنة وأدعية تطالب 'خفي الألطاف أن ينجينا مما نخاف'.
امرأة عجوز لم تجد بدا من أن تسأل أحد الباعة شربة ماء وهي تناجي نفسها ألطف بها يا رب، معقول كيلو البامية بثلاثين شيقلا والأثنين كيلو بندورة بعشرة.. والفاصوليا الخضرة الكيلو بثمانية.
' كلي سمك يا حاجة' فاجأها البائع ساخرا: هو وين السمك تنحلف عليه.. حتى في التلفزيون ما عدنا نشوفه.
صيادو غزة شأنهم شأن مزارعيها وسائقيها وسائر سكانها.. يعاون معاناة مضاعفة ليس فقط من انقطاع السولار الذي جفف رزقهم حد الكفاف وإنما من لسعات الدبابير الإسرائيلية التي تمطرهم بزخات الرصاص، إذا ما اقتربوا من الأعماق وحاولوا الوصول الى حقول السردين الذين يتكاثر في هذا الموسم من السنة فيعودون مثقوبي القوارب وفي أحسن الأحوال بصيد هزيل لا يسمن ولا يغني من جوع.
أزمة غزة تنبئ بها محطات الوقود في المدينة التي أغلقت أبوابها بصهاريج النقل ومع ذلك لن تعدم أي محطة في غزة عشرات السيارات التي اصطفت على مداخلها في انتظار ساعة الفرج.
يقول السائق سامي خليل أنه أوقف سيارته أمام محطة وقود في شارع الجلاء منذ أسبوع ويأتي يوميا أكثر من مرة لمعاينة الطابور كلما سمع إشاعة حول السماح بإدخال مشتقات البترول!.
ويضيف الحمد لله ' حالي أحسن من غيري فلم أضطر بعد لشراء الزيت المخلوط بالكيروسين لتسيير سيارتي كما يفعل الكثير من سائقي جنوب القطاع والذين يحملون الآن تسعة وعشرة ركاب بأسعار مضاعفة لنقلهم من غزة الى الجنوب والعكس.
سعدي الذي شاهد عربات كارو فرشها أصحابها بالسجاد لنقل الركاب فاجأ اخته العروس بقوله ' إذا ما استمر الحال على هذا المنوال فلن يكون أمامك إلا الصعود للحنطور 'الغزاوي' المزين وزفة بلدية على لمبة كاز ' وشي يا حمار.