ولهذا كان غض البصر يوجب ثلاث فوائد , عظيمة الخطر جليلة القدر :
1- حلاوة الإيمان ولذته : التي هيه أحلى وأطيب وألذ مما صرف بصره عنه وتركه لله , فإن من ترك شيئا لوجه الله أبدله الله خير منه وعوضه والنفس مولعة بحب النظر إلى الصور الجميلة والعين رائد القلب وبريده فالقلب يبعث رائده لينظر هناك فإذا أخبره بحسن المنظر تحرك إشتياقا إليه وكثيرا مايتعب ويتعب رسوله كما قيل :
وكنت متى أرسلت طرفك رائدا === لقلبك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الذي لاكله أنت قادر عليه === ولا عن بعضه أنت صابر
فإذا كف الرائد عن الكشف والمطالعة أستراح القلب من كلفة الطلب والإرادة فمن أطلق لحظاته دامت حسراته
فإن النظر يولد المحبة فتبدأ علاقة يتعلق بها القلب بالمنظور إليه ثم تقوى فتصير صبابة ثم تقوى فتصير غراما ثم تقوى فيصير عشقا وهوا الحب المفرط
وحين إذ يقع القلب في الأسر فيصير أسير بعد أن كان ملكا ومسجون بعد أن كان طليقا
وهذا إنما تبتلى به القلوب الفارغة من حب الله والإخلاص له فإن القلب لابد له بالتعلق بمحبوب فمن لم يكن الله وحده محبوبه وإلهه ومعبوده فلا بد أن يتعبد القلب لغيره قال تعالى عن يوسف الصديق ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ) سورة يوسف 24
فامرأة العزيز لما كانت مشركة وقعت فيما وقعت فيه مع كونها ذات زوج
ويوسف لما كان مخلصا لله نجا من ذلك مع كونه شابا عزبا غريبا مملوكا .
2- نور القلب وصحة الفراسة : قال أبو شجاع الكرماني من عمر ظاهره بإتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة وكف نفسه عن الشهوات وغض بصره عن المحارم واعتاد أكل الحلا لم تخطئ له فراسة
وقد ذكر الله سبحانه في قصة لوط وما أبتلو به وقال بعد ذلك ( إن في ذلك لأيات للمتوسمين ) الحجر 75
وهم المتفرسون الذين سلموا من النظر الحرام
وسر هذا : أن الجزاء من جنس العمل فمن غض بصره عما حرم الله عليه عوضه الله من جنسه ماهو خير منه فكما أمسك نور بصره عن المحرمات أطلق الله له نور بصيرته وقلبه فرأى به مالم يره من أطلق بصره ولم يغضه عن المحارم
وهذا أمر يحسه الإنسان من نفسه فإن القلب كالمرآة والهوى كالصدأ فيها فإذا خلصت من الصدى أنطبعت فيها صور الحقائق كما هي عليه وإذا صدأت لم تنطبع فيها صور المعلومات فيكون علمه وكلامه من باب الخرص والظنون
3- قوة القلب وثباته وشجاعته : فيعطيه الله بقوته سلطان النصرة كما أعطاه سلطان الحجة فيجمع له بين السلطانين ويهرب الشيطان منه كما في الأثر إن الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله
منقول من كتاب : طب القلوب لإبن القيم الجوزية ص190 ص 191 وص192