"عن العشق و الهوى" ... درامـــا المشاعــر الإنسانيـة
لا أدري ما سـر اهتمـام السيناريست تامر حبيب في بنـاء قصصه على العلاقات المتشابكة .. بدأها بالأصدقاء في "سهر الليالي" مرورًا بالعلاقة بين الأخوات في "حب البنـات" ثم أخيرًا "العشق و الهوى" حيث نجد الشخصيات أكثر تعقيدًا و حبكة.
نجد الشخصية المحورية (عمــر) ابن الأثريـاء الذي يعمل في مجال السياحة يهيم حبـًا بــ(عاليـا) عازفة البيانـو التي تنتمي لأصـول فقيرة، و في نفس الوقت نكتشف بأن جارها (أشـرف) مجنون بحبها بل متيم بهـا .. لكن سرعان ما تبدد تلك العلاقة فـور علمه بحقيقة شقيقتها التي تمتهن مهنة غير شريفة - فهي عاملة في بـار شعبي - و كان أخيه الأكبر مـــراد سببـًا في كشف تلك الحقيقة .. لينهـار عمـر بكـاءً و يقرر نسيان أزمته مع الحب الأول بالزواج من ابنة عمه (قسمت) وسط مباركة الأهل و الأخ العاشق ســرًا لهـا و ينجب طفـلاً .. بمرور الأيـام و الأحداث يلتقي عمـر بـ(سلمى) التي تعاني هي الأخرى من فتــور العاطفة بينها و بين زوجهـا لينتهى الأمـر بينهما بالطــلاق .. و يجد (عمــر) فيهـا ضالته فهي التي عوضته عن حبه الأول لعاليـا و هي التي "صالحته على الدنيـا" فيتزوجها سـرًا دون علم زوجته .. بينمـا تعيش عاليـا على أطــلال حبها الأول لــ(عمــر) ممــا دفعها للسقـوط في بئر الخطيئة مع جارها أشــرف الذي دمره الإدمــان بل قضى عليه تمامــًا .. إلا أن الأحداث تتغير بعد ذلك لتصبح في صف عاليـا و شقيقتها إثـر معرفتهما بالمنتج (خالد صالح) الذي كان سببًا مهمـًا في انتشــالهما من الضياع بالزواج من الشقيقة (بطـة بطاطس) - كمـا يطلقون عليها - و إنتـاج أول ألبوم غنائي لعاليـا .. و مع لقــاء عاليـا مع حبها الأول قرب نهاية الأحداث تكتشف مدى الوهم الذي ظلت تتعلق بل تنخدع به طــوال هذه السنوات، إذ لم يعـد الحبيب حبيبـًا .. فتقرر هي الأخـرى أن تعيش حياتهـا بعيدًا عن الماضي.
هذه الميلودراما التراجيدية التي أتى بهـا السيناريست تامر حبيب قد تغلفت بحـوار بليغ تفصح كلماته ببسـاطة عن مكنونها .. و إن كنت أعيب عليه بعض التكلف و المبالغة أحيانـًا من مثل كلام منة شلبي (سلمى) عن العشيقة، أو وصف إحساس عمــر تجــاه الحب على أنه شعـور متبادل بين طرفين لا يقتصر على طرف واحد فقط: "وحكاية بقى إنك بتلاقي الشخص المناسب فتحبه ده نصب رسمي .. هو غالبـًا الموضوع كله احنـا .. بيجي وقت معين بيبقى عندنـا استعداد نحب .. فبنحب اللي نلاقيه قدامنــا من غير ما نفكـر!!" .. أو ما جـاء على لســان أشرف و نعته لعاليـا بــ"اللعنة" التي تسببت في دمـار حياته و سقوطه في الهاوية فهو طـول الوقت عاشق لهـا و هي لا تعيره أي اهتمــام: "انت اللعنة يا عاليـا مش أنـا .. انتي اللي عمرك ما هتحسي بكســرة راجل بيعشق واحدة كل أمله إنهـا تحبه .. و تبقى هي معـاه و بتفكر في واحد غيره ...!!" .. و أخيـرًا ما بدا من عتاب الأخ (مــراد) لأخيه على ما أوقعه من ظلم على زوجته بزواجه من أخرى: "قسمت بالنسبة لك كانت فترة نقاهة ما بين حدوتة حب قديمة و حدوتة حب جديدة .. في ظلم أكتر من كدة؟! ..... بس انت عمرك ما حبيتها .. لأنك لو كنت حبيتها كنت خدتها في حضنك .. ما كنتش فكرت لحظة واحدة في نفسك .. بس انت عمرك ما هتفهم يعني ايه قسمت بتحبك!!" ..
كمـا عكست لغـة الحـوار فلسفة السيناريست عن الحب و العشق و هـذا ما أفصحته كلمات (سلمى): "دايمـًا لمـا تســود مني قوي .. أجي أتفرج على الشمس لمـا بتشرق .. بحسها بتقوللي متخافيش أجمل يـوم في حياتك لسـة ما عشتهوش .. لســة جاي!!" .. فمن منـا لم يكتوِ بلوعة الحب الأول .. و كم من تجارب عاطفية فاشلة نخوضها؟! .. لكن هل ستقف الدنيـا على أحـد؟! .. هل ستقف عند أحد هذه التجارب التي نمـر بهـا أو مررنا بهـا؟! الإجابة بالطبع لا .. بل ستسمر عجلة الحيـاة في الدوران .. و لعل زواج عمـر من سلمى لهو أكبر دليل على ذلك .. على عكس ذلك الولهـان أشـرف الذي دفعه العشق لأن يسير في طريق الندامة حتى قضى نحبه منتحــرًا .. أو عاليـا التي ظلت تعيش على ذكرى الحب القديم الذي جمعها بعمــر آمـلة في استعادته ثانية و لم تجنِ سـوى الألم و العذاب!!
أمـا عن الإخــراج .. فلا شك أن مخرجتنا القديرة (كاملة أبو ذكرى) في أرقى حالات نضجها الفني بعد تجربتيها السابقتين "سنة أولى نصب" و "ملك و كتابة" .. فهي تثبت لنـا في كل مـرة أنهـا مخرجة متكمنة من أدواتهـا جيـدًا .. نرى تتر المقدمة قد اعتمد على شـرح العلاقة بين عمـر و عاليـا .. فهمـا العاشقان لدرجة الجنـون .. و قد وُفقت (كاملة) في اختيـار الأماكن الساحرة ذات الطبيعة الخلابة لتعكس لنـا هـذا الجـو الرومانسي الذي جمع بين كل من عمر و عاليـا أو عمـر و سلمى على أنغــام الموسيقى التصويرية لهشـام نزيه و التي لعبت دورًا مؤثـرًا فأضفت على الفيلم سحــرًا و شاعرية .. و لعل أهم ما يميز الإخـراج هو الربط بين ملامح من حيـاة عمـر توازيهـا ملامح أخرى من حيـاة عاليـا (مشهد عصير البرتقال) .. كذلك الحـوار الصامت الذي جمع عمـر بحبه القديم عاليــا قرب نهاية الأحداث .. ناهيك عن أسلوبها في توجيه الممثلين ليخرجوا لنـا بأفضل حالاتهم الفنية فرأينـا (بشــرى) في ثوب جديد و هي تؤدي دور الزوجة المخلصة التي تخلق من نفسها شمعة تحترق على راحة زوجهـا عمـر .. اجتمعت عناصر الفيلم الفنية من المونتاج و التصوير و حركة الكاميرا و إيقـاع الفيلم الهادئ البطيء والذي حافظت عليه المخرجة على طـول الأحداث لنرى عمـلاً فنيـًا متكاملاً على مستوى الصورة و الحدث.
في "العشق و الهوى" يفاجئنـا السقــا بتجربة رومانسية جديدة .. فبرغم ضعف أدائه أحيانـًا و اصطناعه البكـاء في الكثير من المشـاهد ( مشهد مسح صور عاليـا من على الكمبيوتر كان هزليـًا مثيرًا للضحك) .. إلى أنني أحييه بشدة على إقدامه لخوض تلك التجربة ضربـًا من التجديد و "تغيير الجلد" بعد أن حصر نفسه في أدوار الأكشن حتى نعته جمهوره ببطل الأكشن الأول .. و لكني أرى أن بطلة الفيلم الحقيقية هي (غادة عبد الرازق) شقيقة عاليـا .. فهي الأخت التي تضحي بنفسها في سبيل أن توفر لأختها حيـاة كريمة بل تكره نفسها بشدة بعد أن تسببت في فراق عاليـا و حبيبها .. و هي الصدر الحنون التي ترتمي عليه عاليـا و تشد من أزرهـا و مواساتها في مأساتها و إعانتهـا على غدر الدنيــا .. يليها مجدي كامل في دور العاشق الولهان المدمن و التي أداها بحرفية و اقتدار .. ثم منة شلبي و تجسيدها لشخصية العشيقة التي تقع في غـرام عمـر و يجد فيها ما يعوضه عن حبه الأول .. كذلك (طارق لطفي) في دور الأخ العاشق لزوجة أخيه في السـر و الذي لا يتوانى أبـدًا في أن يلعب دور حمامة السـلام للصلح بين أخيه و زوجته .. و لعل أقوى مشاهده مشهد اعترافه لأخيه بحبه لزوجته قسمت.
أمـا عن منى زكي فلم يكن بالدور الجديد عليها .. إلا أنهـا بلمساتها الرقيقة قد أضفت على الدور صدقــًا و واقعية .. فلا تستطيع أن تنسى لهـا أبـدًا مشهدها و هي منهـارة فـور سماعها لهرتلة أشرف تحت شباك بيتها .. أو مشهدها و علامات الخوف و الذعر تعلو قسماتها بعد أن شاهدت مصرع أشرف .. و كذلك خالد صالح في دور المنتج الذي كان سببـًا في شهرة عاليـا و إعـادة نظرتهـا للحيـاة من جديد إلا أن شخصـًا بحجم موهبته قد أضفى ثقـلاً واضحـًا على أحداث الفيلم.
"عن العشق و الهوى" .. شمس الأمل تشرق لتعلن عن بزوغ فجر يـوم جديد مفعم بالتفاؤل و السعادة ننسى بهمـا ماضينا الأســود المؤلم .. فهي درامـا إنسانية راقية المشاعر و الأحاسيس
يا هلالالالالالالالالالالالالالالالالالالالالالالالال الالالالالالالالالالالالالالالالالالالالالالالالال الالالالالالالالالالالالالالالالالالالا بيكى فى المنتدى